سلط موقع "الديمقراطية في أفريقيا" (Democracy in Africa) الضوء على المضايقات التي يتعرض لها السوريون في مصر منذ بداية عام 2026، في ظل حملات الاعتقال التي يتعرضون لها، لإجبارهم على الرحيل من البلاد.  

 

ومن ذلك ما شهدته مدينة الرحاب، إحدى ضواحي القاهرة الراقية التي أصبحت موطنًا للعديد من السوريين الفارين من الحرب الأهلية في ظل نظام الأسد، عندما اقتحم رجال الأمن مطعمًا مكتظًا وطلبوا من رواده إبراز تصاريح إقامتهم. 

 

واعتبرت الدكتورة دينا رزق الأستاذة المساعدة في التاريخ والسياسة الحديثة للشرق الأوسط بجامعة ريدينج، أن مشاهد كهذه باتت شائعة في مصر، بالتزامن مع حملة مغرضة على مواقع التواصل الاجتماعي تُحمّل اللاجئين مسؤولية العديد من مشاكل البلاد، بدءًا من ارتفاع معدلات البطالة، وصولاً إلى ارتفاع الإيجارات. 

 

في الوقت ذاته، أُفرج عن شخصيات معارضة معروفة، وعاد آخرون إلى الظهور في الحياة العامة، مما يوحي بتقارب سياسي محتمل. فيما رأى التقرير أن هذه الإجراءات الانتقائية البارزة ما هي إلا واجهة لتعزيز معاقل السيطرة الاستبدادية، تستهدف الفئات الأكثر ضعفًا في البلاد.

 

الإفراج عن دومة وعبدالفتاح 


وخلال العامين الماضيين، أفرجت السلطات المصرية عن العديد من الشخصيات السياسية البارزة المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحركات الاحتجاج في العقد الماضي. من بينهم أحمد دومة، الناشط البارز، وأحد رموز ثورة 25 يناير 2011، الذي قضى ما يقرب من عشر سنوات في السجن في ظروف قاسية. ورحب أنصاره بالإفراج عنه باعتباره خطوة طال انتظارها.

 

مع ذلك، تعرض للاعتقال والاحتجاز لفترة وجيز في يناير 2026، وهو ما يشير إلى محاولة الدولة إغلاق فصل التعبئة الثورية بشكل رمزي، وإلى ترسيخ الممارسات الأمنية التعسفية التي جعلت احتجاز دومة لفترة طويلة أمرًا ممكنًا.

 

وجاء الإفراج عن الناشط علاء عبدالفتاح، الذي حظي سجنه باهتمام دولي واسع، فبعد سنوات من الاعتقال بتهمة نشر أخبار كاذبة، صدر عفو رئاسي بحقه، ولم يُفرج عنه إلا بعد تمديد مدة عقوبته، وبعد ضغوط متواصلة من أفراد أسرته ومنظمات حقوق الإنسان وحكومات أجنبية، إلى جانب إضراب والدته عن الطعام مما هدد حياتها.

 

وفي المجال الإعلامي، عاد الساخر باسم يوسف (المعروف عالميًا باسم "جون ستيوارت مصر") إلى الفضائيات المصرية في أكتوبر 2025 لأول مرة بعد أكثر من عقد من المنفى، وبدا أنه يوجه رسالة أخرى مدروسة بعناية. بعد أن كان يوسف صاحب فكرة " أكثر البرامج التلفزيونية جرأة في العالم العربي.

 

ويظهر الآن على الشاشات تحت رعاية شبكة (ONTV) المصرية، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالدولة. وكما قال أحد المعارضين المصريين: "كل شيء مُدبّر. إنهم حريصون جدًا على الأسئلة التي يطرحونها عليه، بينما لا يُمنح أمثالي أي مساحة حقيقية".

 

وشهدت الرقابة تخفيفًا طفيفًا، إذ بات أداء الحكومة عرضةً للنقد في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ويُلمّح معلقون بارزون بشكل غير مباشر إلى غياب معارضة حقيقية في مصر. لكن هذه التحركات تنسجم مع سياسة عبدالفتاح السيسي الاستبدادية المُحكمة. فالإفراجات الانتقائية والعودة الرمزية تُظهر الثقة والاستجابة، لا سيما أمام المجتمع الدولي، مع ضمان عدم إعادة فتح أي مساحة سياسية مستقلة حقيقية. وتُصوَّر الحرية هنا لا كحق، بل كامتياز غير متوقع يُمكن منحه وسحبه حسب الرغبة، والدليل القاطع على سلطة النظام.

 

حملات قمع اللاجئين والترحيل الخفي


وفي حين أُفرج عن عدد قليل من المعتقلين البارزين، شهدت مصر في الوقت نفسه تصعيدًا غير مسبوق في السياسات التي تستهدف طالبي اللجوء واللاجئين والمهاجرين، ولا سيما المواطنين السوريين والسودانيين النازحين قسراً، والذين يزيد عددهم عن مليون نسمة. 

 

وتتجاوز هذه الإجراءات بكثير مجرد تطبيق قوانين الإقامة الروتينية، فهي في الواقع سياسة ترحيل قسري مكشوفة، تساهدف دفع النازحين إلى خارج البلاد من خلال الضغط والخوف وعدم اليقين القانوني.

 

ومنذ عام 2024، أدت سلسلة من التغييرات الإدارية والقانونية المفاجئة إلى تغيير جذري في الوضع القانوني للسوريين في مصر. فقد أُلغيت أو عُلّقت تجديدات الإقامة السياحية، وشُدّدت شروط الإقامة، وأصبحت خيارات البقاء بشكل قانوني محدودة، بل وغير متاحة في كثير من الأحيان، مثل التسجيل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أو الدراسة النظامية، أو الاستثمار. وقد تسببت فترات الانتظار الطويلة- التي تصل أحيانًا إلى عامين- للحصول على الإقامة أو حتى حجز موعد مع سلطات الجوازات، في وضع عشرات الآلاف من السوريين في حالة من "عدم الشرعية" القانونية القسرية.

 

وتابع النظام المصري سقوط نظام الأسد بقلق. وأعاد صعود الإسلامي محمد الجولاني (أحمد الشرع) على حدود مصر إحياء المخاوف القديمة من جماعة الإخوان المسلمين، التي أطاح بها النظام الحالي عام 2013. وكما قال نائب وزير الداخلية المصري السابق محمد نور الدين: "إن وجود اللاجئين بعد انتهاء الأعمال العدائية يثير بطبيعة الحال تساؤلات. فإذا كان الصراع يتجه نحو الانحسار، تصبح العودة ممكنة ومرغوبة، لا سيما في ظل وجود مخاطر تسلل الجواسيس أو المتطرفين".

 

ومن الواضح أن النظام يخشى الأفكار التي قد يحملها السوريون الطامحون إلى مستقبل جديد إلى مصر. ونتيجة لذلك، يجد العديد من السوريين الذين يحاولون اتباع القنوات الرسمية لتسوية أوضاعهم أن هذه القنوات مغلقة فعليًا. وقد انعكست مخاوف الدولة على اللاجئين أنفسهم، ما جعلهم فجأة "غير شرعيين"، وبالتالي عرضة للاعتقال أو الاحتجاز أو الترحيل. 

 

وتشير منظمة العفو الدولية إلى أنه في ظل التهديدات "بالاعتقال والترحيل، اضطرت العائلات إلى الاختباء في منازلها، تعيش في حالة من عدم اليقين، وغير قادرة على الحصول على عمل أو تعليم. ويكافح الكثيرون من أجل البقاء بعد اعتقال أو ترحيل المعيل الرئيس للأسرة".

 

وتم فرض قيود إدارية من خلال حملات أمنية ظاهرة، مثل مداهمات الأحياء، وتفتيش أماكن العمل، وإغلاق المدارس، وعمليات تفتيش الوثائق الروتينية كما حدث في مدينة الرحاب. وقد أدى ذلك إلى خلق مناخ من الخوف يقوض نظام الحماية الدولي العامل على الأراضي المصرية، في حين تقدم مصر نفسها خارجياً كشريك متعاون في إدارة الهجرة.

 

إشارات متضاربة 


اعتبر التقرير أن هذه التطورات مجتمعةً تكشف منطق الحكم الاستبدادي المعاصر في مصر، إذ إنه نظامٌ يُدير المعارضة والتهجير من خلال التكيف الانتقائي والقمع المُستهدف. وتُثير عمليات الإفراج عن النشطاء البارزين ضجةً إعلاميةً وتُعزز العلاقات الدبلوماسية. في الوقت نفسه، تخضع الفئات السكانية الأكثر ضعفًا، كاللاجئين، لرقابةٍ مُشددة.

 

ورأى التقرير أن هذا يكشف عن الخوف العميق الكامن في قلب النظام المصري. فالانفتاح الانتقائي، مقترنًا بتوسيع نطاق الإكراه في أماكن أخرى وتزايد كراهية الأجانب في المجال العام، ما هو إلا مثال آخر على تكيف الأنظمة الاستبدادية استجابةً لهذا الخوف. 

 

وقد ترافقت مظاهر "الاسترخاء" المنعزلة مع تكثيف ممارسات الترهيب والإقصاء اليومية. وذهب التقرير إلى أن إدراك هذه الازدواجية أمرٌ جوهري، ليس فقط لفهم السياسة الداخلية المصرية، بل لفهم كيف تناضل الأنظمة الاستبدادية المعاصرة من أجل الشرعية بينما تُحكم قبضتها بهدوء.

 

 https://democracyinafrica.org/egypts-mixed-signals-activist-releases-amid-crackdowns-signal-fragile-politics/